05‏/02‏/2012

آيزلاندا، بركان مكتوم الصوت

آيزلاندا، بركان مكتوم الصوت

معز الباي

ما حدث في آيزلاندا لم يكن بركانا بالمعنى الجيولوجي للكلمة... فقط. ما حدث كان بركانا سياسيّا هزّ النظام العالميّ وقدح شرارة كان من الممكن أن تحرق عددا من مراجع التنظير الليبرالي للاقتصاد والسياسة. فلماذا لم نسمع به؟ لماذا لم يبلغنا سوى خبر ذلك البركان الذي عرقلت حممه حركة الطيران؟

ليس لأدخنة البركان الآيزلاندي أيّ دخل في تعتيم الرؤية حول ما يجري على الجزيرة الشمالية. إنّما أدخنة من نوع آخر تلك التي انطلقت لتخنق الحقيقة المفزعة لرأس المال العالمي. أبخرة سامّة لا محالة، قاتلة، "لا مويرتا" كما تسمّي المافيا قانون الصّمت وسط صفوفها، وليس من عدم أن نستعمل لغة المافيا لتصوير هذا التعتيم الإعلامي، فالمافيا العالمية المهيمنة على كلّ المؤسّسات ومنها الإعلام قرّرت أن تخنق الحقيقة، وصدرت الأوامر أن "لا شيء يحدث في الجزيرة الشمالية" سوى بركان انفجر فجأة فعطّل الملاحة.

شحّ المعلومة وندرتها كانتا العقبة التي واجهتنا وواجهت كلّ من حاول البحث في مجريات الأحداث في آيزلاندا، وهو ما يمنعنا من تكوين صورة دقيقة وموضوعيّة حول ما يجري في ذلك ال


ربع "الخالي"، على جزيرة الأحلام الثورية حيث تتزاوج المتناقضات الطبيعيّة بدون نشاز بين جبال جليديّة وبراكين وعيون ساخنة. لكنّنا سنحاول في هذا العرض مقاربة الحدث بما توفّر لدينا من معطيات بعد غربلتها ومقاطعتها بعضها ببعض، عسانا ننجح في استثارة فضول القارئ ليبحث بدوره ويؤثّث "البوزل" المنقوص ويكمله.

شكّلت الأزمة المالية العالمية التي اندلعت سنة 2008 بالنسبة للاقتصاد الإيزلندي وخاصّة القطاع البنكي منه زلزالا عنيفا انهار على إثره الاقتصاد الهشّ للجزيرة ذات الثلاثمئة ألف ونيف ساكن، بعد أن كانت مصنّفة الثانية عالميّا (بعد النرويج) على مؤشّر التطوّر البشري IDH سنة 2006. فكان ذلك الشرارة التي قدحت ثورة غريبة من نوعها، تذكّرنا في بعدها الشعبيّ وغياب الرأس المنظّم بثورات ما يسمّى بالربيع العربي. والأغرب أنّها لم تتحوّل إلى ربيع أوروبي بسبب التعتيم الدّوليّ حول مجرياتها.

الحراك: بضعة أشخاص بادروا بالتحرّك الاحتجاجي على خلفيّة إفلاس بنوك آيزلاندا، وخاصّة منها "آيس سايف" ليتضخّم العدد تدريجيّا ويبلغ أكثر من 17000 متظاهر اعتصموا أمام القصر الرئاسي والبرلمان في جانفي 2009 ليتجاوزوا 20000 في أكتوبر من نفس السنة، سلاحهم الوحيد أدوات الطبخ التي راحوا يقرعونها على الطريقة الأرجنتينيّة « Cacerolazo ». أواني الطبخ غيّرت مجرى التاريخ وأسقطت الحكومة اليمينية بعد أن استقال الوزير الأوّل لدواع "صحّيّة" (بسبب الصداع لا شكّ) وأدّت إلى انتخابات تشريعيّة صعد على إثرها يسار ليبرالي (ائتلاف من اشتراكيين ديمقراطيّين ونسويّين وشيوعيّين سابقين وأحزاب بيئيّة يساريّة) برئاسة امرأة لأوّل مرة في تاريخ الجزيرة. وحسب بعض النشطاء الآيزلانديّين، فإن القمع المجّاني الذي تعرّضت له تحرّكاتهم من قبل البوليس هو الذي ساهم في التفاف عدد أكبر من المواطنين حول مطالبهم وسارع في إسقاط الحكومة والنظام القائم.

الحكومة المتشكّلة حديثا ذات التوجّه "الاشتراكي-الديمقراطي" حاولت تحت ضغط الاتحاد الأوروبي الذي تطمح إلى الانخراط فيه، تمرير قانون لتسديد ما يقارب 4 مليارات أورو من الديون البنكية (ما يعادل 40 بالمائة من الناتج الداخلي الخام) أغلبها موجّه للمملكة المتّحدة (بريطانيا) ولهولاندا، هي أساسا ديون بنك "آيس سايف" ICESAVE (بنك افتراضي يوجّه خدماته أساسا لهاتين الدولتين وهو فرع لأحد البنوك التي أفلست نتيجة الأزمة)، مثقلة بذلك كاهل المواطن بما قيمته مائة أورو في الشهر إلى حدود سنة 2024، في سيناريو لم يشذّ عن غيره في العديد من الدول الكبرى التي تحترم كثيرا حقوق مواطنيها المادّية والمعنويّة (الولايات المتّحدة، اليونان، إيطاليا، إسبانيا...). إلاّ أن حساب الحقل اختلف كثيرا عن حساب البيدر. فتحت الضغط الشعبي، عبر إمضاء عريضة احتجاج من قبل ربع السكّان تقريبا، رفض رئيس الدولة المصادقة على هذا القانون لتمرّ آيزلاندا - و

للمرّة الأولى في تاريخها يوم 6 مارس 2010– إلى الاستفتاء. وكانت النتيجة الصاعقة: 93 بالمائة من المستفتين رفضوا ما سمّي بمخطّط "الإنقاذ". رفض الآيزلنديّون ورئيسهم "ذو الصلاحيّات المحدودة" أن يدفع المواطن البسيط ثمن الأواني التي تكسرها قوى المال المتغوّلة ما أدّى إلى منعرج ثوريّ في تاريخ الجزيرة والعالم، فقد تقرّر شعبيّا أن يقع تأميم – نعم تأميم، تلك اللفظة المرعبة المحرّمة في العالم الجديد – 3 بنوك في حالة إفلاس هي Kaupthing وGlitnir وLandsbanki وإحالة بعض السياسيّين ومديري بعض البنوك المفلسة على المحاكمة، إضافة لانتخاب مجلس تأسيسي لصياغة دستور جديد، ليتمّ ذلك يوم 27 نوفمبر من نفس السنة.

المترشّحون البالغ عددهم 522 مواطنة ومواطنا لم يكن يشترط فيهم إلا بلوغ سنّ 18 وأن تقع تزكيتهم من قبل 30 مواطنا على الأقل، ووقع استثناء نوّاب الشعب أعضاء البرلمان من حقّ الترشّح.

لا شكّ أن المشهد الذي يلهب مشاعر الثوريّين في العالم هو تلك الصورة الرائعة لمئات من المواطنين الآيزلانديّين الذين يجتمعون وسط الحمّامات الطبيعيّة الساخنة ليناقشوا مصير جزيرتهم وأحيانا مصير العالم في شيء من "اليوطوبيا" التي افتقدها التاريخ الإنساني مذ فقد براءته الطفولية، وليعيدوا اختراع الديمقراطيّة التي هرمت ولم تعد تخفي تجاعيدها عمليّات شدّ الجلد والماكياج.

لكن بعيدا عن "اليوطوبيا" والوهم، لا بدّ أن نشير إلى اشتغال جهاز الثورة المضادّة والفيروسات الليبراليّة (على حدّ تعبير المفكّر سمير أمين)، فالجهاز الإعلامي في آيزلاندا لعب دورا كبيرا في إفشال انتخابات المجلس التأسيسي، عبر التعتيم عليه حينا وفسح المجال أمام نقّاد هذا التمشّي للتشكيك في المسار الذي اتخذته الثورة في آيزلاندا. وكانت النتيجة نسبة إقبال ضعيفة على الانتخابات.

بالمقابل، نجح الآيزلانديّون في فرض الديمقراطية الشعبية عبر استغلال وسائل الاتصال الحديثة والمزاوجة بينها وبين الشكل المباشر لهذه الممارسة بالاجتماعات العامة الجماهيريّة في أحضان تلك "الآغورا" الطبيعية، حيث تنشر المقترحات حول الدستور التي يقدّمها المواطنون على الموقع الرسميّ للحكومة (http://www.stjornlagathing.is/english) ويساهم هؤلاء بالتصويت على كلّ القرارات الحكومية، من خلال تفعيل آليّة الاستفتاء. هناك ناقش المواطنون بحماس الفصل بين الكنيسة والدولة وتأميم جميع الموارد الطبيعيّة والفصل التام بين السلطة التنفيذية والتشريعية. وقد أنهت اللجنة التأسيسية أشغالها وتمت المصادقة على مشروع الدستور الإيزلاندي يوم 27 جويلية 2011 بإجماع أعضائها وسيعرض على الاستفتاء الشعبي هذه السنة.

لم تبدأ المراكمة النضالية في آيزلاندا سنة 2008، فحسب بعض النشطاء بدأ الحراك النضالي منذ 2003 بالاحتجاج على إنشاء سدّ لتمويل مصانع للألومينيوم بالكهرباء، حراك فشل في تحقيق هدفه المباشر لكنّه نجح في خلق جيل من النشطاء وتدريبهم على أشكال المقاومة "السلميّة". نفس الجيل الذي سيتحرّك ابتداء من 2008.

وفي ديسمبر 2008، قامت مجموعة من النشطاء لا يتجاوز عددها الثلاثين باجتياح البرلمان الذي كان وقتها يناقش قضيّة بيع الكحول في المساحات الكبرى بينما تغرق البلاد في البطالة وفي أزمة السكن المحتدّة، وقاموا بتلاوة بيان احتجاجي. ولم تكن هذه المبادرة لتخرج عن سياقها المقبول نظرا لكون برلمان "ريكيافيك" مفتوحا أمام العموم، لولا التدخّل "الحازم" لقوّات الأمن. ليتعرّض تسعة من الثلاثين ناشطا بعد سنة إلى المحاكمة بحجّة تهديد استقلالية البرلمان. هذه المحاكمة المهزلة لما سمّي بمجموعة "ريكيافيك 9" والقمع الأمني الذي تعرّضت له شجّعت آلاف الآيزلانديّين على التظاهر كلّ يوم سبت ابتداء من جانفي 2009 أمام البرلمان، معبّرين عن غضبهم بشكل صاخب باستعمال أواني الطبخ.

سقطت حكومة اليمين التاريخي الحاكم في آيزلاندا، واضطرّت حكومة اليسار الليبرالي أن ترضخ للضغط الجماهيري، وتحوّلت الجزيرة المخفيّة إلى جنّة للحريات وخاصّة منها حرية الانترنت، وقام الشعب بتأميم موارده الطبيعيّة وبنوكه المفلسة واستقلّ بقراره الماليّ عن دوائر النهب الدّوليّة. كما انطلقت في أرجاء الجزيرة مشاريع مواطنيّة لم تخطر إلاّ على بال برودون مثل البنوك الخضراء المواطنيّة، ونجح الاقتصاد الآيزلانديّ في استعادة ثقة المستثمرين والارتقاء بالتصدير خاصّة مع تخفيض قيمة الكورونة- العملة المحلّية- لكن من المؤكّد أن نهاية القصّة الآيزلنديّة لم يحن بعد موعد كتابته. ورغم ذلك نستطيع استخلاص نتائج أوّليّة لهذه التجربة. فآيزلاندا عرفت بعد انكماش اقتصادها ارتفاعا في نسبة النموّ نهاية السنة الماضية بـ2,1 بالمائة حسب تقديرات المجلس الأوروبي، ومن المتوقّع أن تبلغ نسبة النموّ سنة 2012 ثلاث مرّات نسبة النموّ الأوروبية المنتظرة، لتبلغ سنة 2013 نسبة 2,7 بالمائة، ويعود هذا النموّ أساسا إلى معدّل خلق مواطن الشغل بها.

وهكذا، تنجح الجزيرة المعزولة إعلاميّا في تبديد سحب بركانها الاقتصادي وفي تفادي الكارثة بإعادة كتابة مفاهيمهم الخاصّة حول المواطنة والعدالة الاجتماعيّة وسيادة القرار الوطني، نائية بنفسها عن براثن الليبراليّة المتوحّشة. لكنّ بركانها وزلازله بقيت مكتومة الصّوت يكاد لا يرتدّ لها صدى في العالم بسبب قانون الصمت العالميّ. ولا يسعنا في نهاية المطاف إلاّ أن نقارن بين المسار التونسي والمسار الآيزلانديّ، وندعو في خلوتنا ألاّ تعلّق حكومتنا الوطنيّة جدّا على تمشّي ذاك الشعب الشمالي من أحفاد الفايكينغ أنه برفضه لخلاص ديونه وتأميمه لمقدّراته وبنوكه، يضع العصا في عجلة الاقتصاد ويريد إحراق البلاد. ماذا لو...؟؟؟

  • يرجع الدستور الآيزلاندي إلى سنة 1944، وحسب أحد أساتذة القانون الآيزلانديّين، كان من المفترض تغييره منذ سنوات بحجّة أنه نسخ حرفيّا عن الدستور الدانماركي، إلاّ أن المشروع أجّل عديد المرّات قبل أن تهبّ رياح الأزمة الاقتصاديّة على البلاد.
  • هذا النصّ يصدر قريبا في شكله الورقي على نشريّة "فلاّقة" في عددها القادم

0 التعليقات:

إرسال تعليق